محمد رأفت سعيد
219
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « التين » ومع المعاني التي عالجتها سورة البروج تنزل بعدها سورة « التين » ، لتستمر في بيان الموضوع نفسه مثيرة في الإنسان جوانب التفكير في شأن من سبق مع تعدد أماكنهم ، وأنهم امتداد بشرى لهؤلاء السابقين ، وأنهم جميعا تحت سلطان أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدا ، ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه « 1 » . وأنه سبحانه لا يجعل المحسنين كالمسيئين كما تنبه السورة الكريمة الإنسان إلى قيمته وكيف يحافظ عليها قال تعالى : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 ) وَطُورِ سِينِينَ ( 2 ) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) بلى وأنا على ذلك من الشاهدين . هكذا روى أبو هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا : « فإذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فأتى على آخرها أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » . فسورة التين مكية في قول الجمهور ومنهم الحسن وعطاء وهو الصواب ، ونزلت بعد سورة البروج - كما سبق - غير أن الماوردي حكى عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية « 2 » . وبدأت السورة الكريمة بالقسم بهذه الأشياء الثلاثة بالتين والزيتون وطور سينين يقول ابن كثير رحمه الله : وقال بعض الأئمة : هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيّا مرسلا من أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار ، فالأول : محله التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم عليه السّلام والثاني : طور سينين وهو طور سيناء الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران عليه السّلام والثالث : مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا وهو الذي أرسل فيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم « 3 » . فهذا المعنى يؤكد ما سبق ذكره في سورة البروج من أخذ الاعتبار عن شواهد التاريخ حتى لا يقع في ظلم نفسه وظلم غيره ، وحتى يكون من فريق المؤمنين الصالحين .
--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 527 . ( 2 ) زاد المسير 9 / 168 ، والقرطبي 20 / 110 . ( 3 ) ابن كثير 4 / 526 .